هَيّا بِنَا لِنَتَأمّل
حِينَ يَحُلُّ الْغَسَقُ، تَبْدَأُ ضَوْضَاءُ النَّهَارِ بِالِانْحِسَارِ تَدْرِيجِيّاً، وَتَخْفَتُ أَصْوَاتُ الْحَيَاةِ الصَّاخِبَةِ لِتَفْسَحَ الْمَجَالَ لِسِيمْفُونِيَّةِ الصَّمْتِ. فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ، تَتَنَفَّسُ الْأَرْضُ بِعُمْقٍ، وَتَأْوِي الطُّيُورُ إِلَى أَعْشَاشِهَا، وَيَهْدَأُ صَخَبُ الْبَشَرِ. إِنَّ الْغَسَقَ يُمَثِّلُ نُقْطَةَ التَّحَوُّلِ مِنَ الْحَرَكَةِ إِلَى السُّكُونِ، وَمِنَ التَّشَتُّتِ فِي تَفَاصِيلِ الْعَمَلِ وَالسَّعْيِ إِلَى الِالْتِجَاءِ لِحِضْنِ الْعَائِلَةِ وَالدِّفْءِ الْمَنْزِلِيِّ. إِنَّهُ الْوَقْتُ الَّذِي تَجْمَعُ فِيهِ الْأُسَرُ شَتَاتَهَا، وَتُغْلَقُ الْأَبْوَابُ لِتَبْدَأَ لَحَظَاتُ السَّكِينَةِ الْحَقِيقِيَّةِ
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الْفَاصِلَةِ الَّتِي تَسْبِقُ غِيَابَ آخِرِ خُيُوطِ الشَّفَقِ الْأَحْمَرِ، وَتُبَشِّرُ بِقُدُومِ السَّوَادِ الْمَهِيبِ، يَتَجَلَّى "غَسَقُ اللَّيْلِ" كَأَحَدِ أَجْمَلِ أَسْرَارِ الْكَوْنِ وَأَكْثَرِهَا عُمْقاً. الْغَسَقُ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَوْقِيتٍ زَمَنِيٍّ يَمُرُّ فِي حَافَّةِ النَّهَارِ، بَلْ هُوَ حَالَةٌ شُعُورِيَّةٌ، وَمَرْحَلَةٌ انْتِقَالِيَّةٌ تَنْسَكِبُ فِيهَا الطُّمَأْنِينَةُ عَلَى الْقُلُوبِ، وَتَتَغَيَّرُ فِيهَا مَلَامِحُ الْأَرْضِ لِتَكْتَسِيَ بِرِدَاءٍ مِنَ الْغُمُوضِ السَّاحِرِ وَالْهُدُوءِ الْمُطْبِقِ بَوَّابَةُ السُّكُونِ وَ السَّكِينَةِ
لِلْغَسَقِ جَاذِبِيَّةٌ خَاصَّةٌ لِلْمُتَأَمِّلِينَ وَالشُّعَرَاءِ؛ فَهُوَ يَمْنَحُ الْعَقْلَ مِسَاحَةً حُرَّةً لِلسِّبَاحَةِ فِي مَلَكُوتِ الذِّكْرَيَاتِ وَالْأَفْكَارِ. فَبَيْنَ لَيْلٍ يَزْحَفُ وَنَهَارٍ يَرْحَلُ، يَجِدُ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ وَاقِفاً فِي مِنْطَقَةٍ بَرْزَخِيَّةٍ تَدْعُوهُ لِمُرَاجَعَةِ تَفَاصِيلِ يَوْمِهِ، وَاسْتِحْضَارِ أَحْلَامِهِ. فِي غَسَقِ اللَّيْلِ، تَصْبَحُ النُّجُومُ الْمُبْتَدِئَةُ فِي الظُّهُورِ كَأَنَّهَا حِكَايَاتٌ قَدِيمَةٌ تُولَدُ مِنْ جَدِيدٍ، وَيَتَحَوَّلُ السَّوَادُ الْقَادِمُ إِلَى لَوْحَةٍ بَيْضَاءَ يُعِيدُ الْإِنْسَانُ رَسْمَ أُمْنِيَاتِهِ عَلَيْهَا بِمِدَادِ الْأَمَلِ
إِنَّ غَسَقَ اللَّيْلِ هُوَ الْوَجْهُ الْحَنُونُ لِلْيَوْمِ؛ يَأْتِي لِيَطْوِيَ تَعَبَ السَّاعَاتِ الْمَاضِيَةِ، وَيُمَهِّدَ الْأَرْضَ لِنَوْمٍ هَادِئٍ يُجَدِّدُ الْأَرْوَاحَ. هُوَ دَعْوَةٌ يَوْمِيَّةٌ مُتَجَدِّدَةٌ لِنَفْضِ غُبَارِ الْعَنَاءِ، وَالِاعْتِرَافِ بِأَنَّ لِكُلِّ نِهَايَةِ نَهَارٍ بِدَايَةَ لَيْلٍ يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ الطُّمَأْنِينَةَ وَالْأَمَلَ بِمُسْتَقْبَلٍ أَجْمَلَ


