يأتي على الإنسان حين من الدهر يشعر فيه بأن جلده أضيق من أن يحتويه، وأن الجدران التي تحيط به مهما زادت مساحتها، تبدو كقفص ضيق أُعدّ على عجل لتقييد طائر. إنه شعور غريب وموجع في هذا العالم؛ حيث تبدو الأرض بما رحبت وكأنها ممر أصغر بكثير من سعة الحلم الذي يسكن الصدر
فلماذا تُخلق الأرواح متسعة إلى هذا الحد، بينما الأمكنة محددة، والفرص عابرة، والأيام أضيق من أن تتسع لأشواقنا؟
في طيات هذا السؤال تختبئ حكاية الغربة الروحية؛ فالإنسان بطبيعته ليس كائنًا أرضيًا خالصًا، بل هو شظية من نور سقطت في هذا الميدان المادي، وظلت طوال عمرها تحن إلى أصلها. الروح بفطرتها لا تقنع بالجاهز والمؤقت، ولا ترتوي من ينابيع الفناء. حين تحب، تحب بلا غاية، وحين تحزن، تكسرها تفاصيل تبدو للآخرين تافهة، وحين تحلم، تبني مدناً كاملة من الطمأنينة لا تقبل القسمة على اثنين
هذا الاتساع المهول في الداخل هو ما يجعل الأمكنة تضيق بنا. فالبيت الذي نعيش فيه يصبح ضيقًا حين تعجز حيطانه عن استيعاب أفكارنا المتناثرة، والمدينة التي نعرف كل زاوية فيها تصبح خانقة حين تفتقر إلى وجه أو معنى يرمم انكساراتنا. إننا لا نبحث عن بقعة جغرافية أوسع، بل نبحث عن "معنى" يكافئ هذه السعة الخفية التي أودعت فينا
وربما تكمن الإجابة المؤلمة في أن هذا الضيق هو الحارس الوحيد لكي لا تضيع الروح في اتساعها المطلق؛ فلولا حدود الأمكنة وقسوة الواقع، لطار الإنسان بوجدانه بعيدًا ولما استطاع أن يوطن قدميه على هذه الأرض. إن الضيق الظاهري هو الذي يعلمنا كيف نبحث عن السعة الحقيقية في الداخل: في سجدة طويلة تُلقي فيها ثقل العالم، في خلوة صادقة مع الذات، أو في حرف نقي ينزفه القلب على ورق أبيض ليحرر بعضاً من ثقل هذا الاتساع


